عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

50

معارج التفكر ودقائق التدبر

لكنّهم عطّلوا بإراداتهم الحرّة ما آتاهم ربّهم من تفضيل وتكريم ، ليصلوا به إلى منازل جنّات النعيم خالدين فيها ، واستعملوه فيما يقذف بهم إلى دركات الجحيم خالدين فيها ، مفتونين بما ينالونه من شهوات الحياة الدنيا ولذّاتها ، وفيما يرضون به أهواءهم الجانحة عن صراط اللّه المستقيم ، ودوافع نفوسهم الجامحة الّتي تدفعهم للظلم والعدوان ، والبغي والإثم والعصيان والطّغيان . لقد أنزلوا بإراداتهم الحرّة أنفسهم من مراتب التكريم الرّبّاني ، الّذي جعلهم اللّه به في أحسن تقويم ، وهيّأ لهم إذا حافظوا بإراداتهم الحرّة على ما كرّمهم به ، جنّات النّعيم يوم الدّين . لكنّهم أنزلوا أنفسهم بإراداتهم الحرّة إلى أسفل سافلين . فهم كالأنعام ، يأكلون كما تأكل الأنعام ، ويشربون كما تشرب الأنعام ، ويتسافدون كما تتسافد الأنعام ، ويستمتعون بلذّات الحياة الدنيا كما تستمتع الأنعام . بل هم في الحقيقة أضلّ من الأنعام ، لأنّ الأنعام تضبطها غرائزها الفطريّة ، أمّا هؤلاء المتسفّلون فليس لهم ما يضبطهم من غرائز فطريّة ، لأنّ اللّه - جلّت حكمته - أعطاهم البديل من أجل امتحانهم ، وهي القوى العلميّة التّفكيريّة الإدراكيّة ، مع الإرادة الحرّة ، فعطّلوها عن الخير ، وسخّروها لتحقيق رغباتهم من متاع الحياة الدّنيا ، منطلقين في الظّلم والعدوان ، وارتكاب الشرور في كلّ واد ونفق مظلم وميدان ، وعرّضوا أنفسهم لنقمة بارئهم العزيز المنتقم الدّيّان . فكانوا بذلك أضلّ من الأنعام . ( الأنعام : ) هي الإبل والبقر والغنم ، وأشباهها . قول اللّه تعالى :